التقارير الخاصة

نوادر طريق الحرير- قصص شينجيانغ في الخرائط القديمة - 13

تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن: بعثة تبشيرية سويدية في كاشغر

07.03.2019 المؤلف : وانغ يو

في أواخر عهد أسرة تشينغ، تنافست بريطانيا والإمبراطورية الروسية من أجل الهيمنة على آسيا الوسطى، من ضمنها أراضي شينجيانغ الصينية. في مدينة كاشغر النائية التي كانت تعد مركزا تجاريا هاما في جنوب شينجيانغ، بنى هذان البلدان سفارتيهما خارج البوابة الشمالية للمدينة.

كما ذكر في بداية الباب الثالث، رسم رجل بريطاني خريطة كاشغر (الشكل 39) في ديسمبر عام 1908م، وهي صورة تاريخية نادرة للغاية تظهر وضع كاشغر في نهاية عهد أسرة تشينغ، ومن الممكن رؤية أسوار المدينة التي يشبه شكلها حفرة الفاكهة. و"مدينة مان" (تحيط بها أسوار المدينة) الواقعة في الشمال الغربي من المدينة هي محاكاة لمدينة لاينينغ السابقة من فترة حكم الإمبراطور قوانغ شيوى، التي يشغلها الآن مكتب الأمن العام في كاشغر.

علاوة على ذلك، في ضاحية المدينة، قليلا إلى الغرب من البوابة الجنوبية، يمكننا العثور على علامات القراءة "البعثة السويدية" و"المستشفى السويدي". في الواقع، ليست هناك تبادلات كثيرة بين السويد والصين في التاريخ، وعلى عكس القوى الغربية الأخرى التي تسابقت إلى غزو الشرق، لم تغز السويد الأراضي الصينية، بل أرسلت مجموعة من المبشرين إلى كاشغر النائية التي كانت تعد موقعا هاما للثقافة الإسلامية لنشر المسيحية وإنشاء مستشفى.

وفقا للمصادر التاريخية، وصل أول مبشر سويدي ان. أف. هويجير إلى كاشغر في عام 1892م، وبعد عامين، بعثت السويد مجموعة من المبشرين بقيادة القس لارس إريك هوجبرغ إلى المدينة، حيث مارسوا بنشر المسيحية لمدة 46 سنة، حتى طُردوا في عام 1938م من قبل أمير الحرب في شينجيانغ.

بالإضافة إلى كونهم من الدعاة المخلصين، فإن هؤلاء المبشرين الغربيين كانوا أيضا علماء ذوي مهارات عالية في عدد من المجالات. خلال فترة وجودهم في كاشغر، قاموا بفتح المستشفيات والمدارس، بالإضافة إلى طباعة عدد من المطبوعات الدينية والثقافية. ولم يكونوا ينشرون كلام الله فحسب، بل أيضا قاموا بممارسة الطب وتثقيف الجماهير.

ساهم وصول المبشرين الغربيين وثقافة المسيحية في تعزيز التعددية الثقافية في شينجيانغ. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يتخيل مدى الصعوبة لنشر المسيحية في مركز الثقافة الإسلامية هذا بجنوب شينجيانغ. في البداية، تعرض هؤلاء المبشرون لمقاومة شديدة من المسلمين المخلصين، وخصومة السكان المحليين. وبدأت الشائعات تنتشر في جميع أنحاء المدينة: قال البعض إن وصول المبشرين أدى إلى عدم مطر أو ثلج، بينما اتهمهم آخرون بتسمم إمدادات المياه المحلية وتهريب الأطفال. وقال أحد المبشرين فيما بعد: "كانت السنوات الست الأولى التي قضيناها في كاشغر هي بلا شك أشق لحظات في حياتي. وكل خطوة أخذناها كانت مليئة بالمصاعب والمقاومة".

كانت فعالية تبشيرهم سيئة للغاية. في السنوات العشر الأولى (من عام 1892م إلى عام 1902م)، كانوا فقط قادرين على تعميد ثلاثة معتنقين جدد. حتى عام 1907م (بعد 15 سنة من وصولهم)، قاموا بتعميد ما مجموعه تسعة معتنقين، أربعة منهم كانوا مسلمين من كاشغر وياركاند، والخمسة الآخرون كانوا من السكان المحليين من أصول هان. حتى عام 1912م، كان هناك 14 معتنقا جديدا فقط.

نظرا للحالة المؤسفة لأعمالهم التبشيرية، اضطر هؤلاء المبشرون السويديون إلى تغيير أساليبهم في التبشير بالمسيحية، حيث استغلوا خلفياتهم الأكاديمية لتقديم الخدمات الطبية. خلال النهار، كانوا يعالجون المرضى في المستشفى. بينما في الليل، كانوا ينشرون تعاليم المسيحية في محاولة حل الخصومة وفتح فصل جديد من التبشير في كاشغر، كما بنوا المستشفى السويدي في المدينة.

مقارنة مع الظروف الطبية المتخلفة نسبيا في أواخر عهد أسرة تشينغ، قدم المستشفى السويدي خدمة طبية أكثر كفاءة وإنسانية للسكان المحليين، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، تمتعوا بالمعاملة المتساوية. وقد طُلب من الأغنياء دفع الرسوم الطبية، بينما يمكن للفقراء أن يتلقوا العلاج مجانيا، بات بذلك المستشفى السويدي في كاشغر مشهورا جدا في عموم شينجيانغ. كان هؤلاء المبشرون يتلقون عددا كبيرا من المرضى يوميا. في عام 1919م وحده، استقبل المستشفى أكثر من 40 مريضا وعالج ما يصل إلى 12000 شخص، بينما ذهب الأطباء لزيارة المرضى ب860 مرة.

على سبيل المثال، في الشكل 67، من الممكن رؤية العديد من المارة في مقر البعثة السويدية بكاشغر. من المحتمل جدا أن يأتي هؤلاء الناس إلى هنا لاستشارة الطبيب بدلا من الصلاة. وبعبارة أخرى، تمتع السويديون بالهويات المزدوجة، المبشر والطبيب، مال السكان المحليون إلى الاعتراف بالأخير.

بالإضافة إلى توفير الرعاية الصحية، أحضر المبشرون السويديون معهم معدات الطباعة المتقدمة، حيث نشروا دفعات كبيرة من المنشورات الدينية والثقافية باللغة الأويغورية. من عام 1901م إلى عام 1911م، استخدموا السويديون آلة الطباعة المتواضعة لطباعة كتب التراتيل والدعاية الدينية، مثل "القصة المقدسة"، "مسار الحياة الأبدية"، و"مدائح وأغاني". ومع ذلك، كان السكان المحليون يفضل على المطبوعات العملية، على وجه الخصوص، التقويم السنوي الذي تم تأليفه من قبل غوستا راكيت، وضمّ كلا من التقويم المسيحي والتقويم الإسلامي، وطبعت في كل صحفة مقاطع مختارة من الكتاب المقدس.

في عام 1912م، تم نقل مجموعة من آلات الطباعة المتقدمة من السويد إلى كاشغر، من بينها مطبعة عالية السرعة، ومطبعة مساعدة، ومقطع ورق، وآلة تحزم، فضلا عن عدد كبير من الخطوط باللغات التركية القديمة، واللاتينية، والأويغورية والصينية. وكانت المطلعة الموجودة في الشكل 69، التي افتتحت في عام 1912م، هي الوحيدة من نوعها في جنوب شينجيانغ قبل عام 1937م.

في هذه المطبعة، تم طباعة عدد كبير من الكتب المسيحية بالأويغورية، مثل ((الطريق إلى الخلاص))، ((المدخل والزاوية))، ((القصة المقدسة))، ((نسخة سهلة الفهم للقصة المقدسة))، و((التعاليم المسيحية الموجزة للمسلمين))، فضلا عن عدد كبير من الموارد التعليمية الأساسية، مثل ((الحساب))، و((الحساب والعلوم))، ((مفتاح الكتب الحسابية))، ((الصحة والمرض))، ((الحيوانات والبشرية))، ((اللغويات)) و((العلوم الجغرافية))، كما كان هناك أيضا بعض كتب العلوم العملية الخاصة بتعليم المهارات الصناعية، مثل ((تربية دودة القز)) و((إنتاج الحرير)).

وكانت غالبية هذه النصوص العلمية تُترجم مباشرة من اللغة السويدية إلى اللغة الأويغورية. وقام المبشرون بترجمة الأغنية السويدية، مثل "العالم جميل"، حيث عزفوا على البيانو وعلموا السكان المحليين على الغناء، وتعد الموسيقى الساحرة والمعرفة المفيدة الواردة في هذه المنشورات هدية حقيقية من المبشرين السويديين إلى السكان المحليين.

على الرغم من أن مهمتهم الرئيسية للوافدين تتمثل في نشر المسيحية في جميع أنحاء شينجيانغ، إلا أن السويديين مثقفون ومتضلعون، فليسوا مبشرين فحسب، بل هم أيضا خبراء الطب وعلماء النبات واللغويين. على سبيل المثال، لارس إريك هوجبرغ، هو مؤسس البعثة السويدية، وكذلك مهندس معماري، كان يضطلع بتصميم القنصلية البريطانية في كاشغر، ووجوستا راكيت، هو دكتوراه طب المناطق الحارة في جامعة ليفربول، وكان يقدم الخدمات الطبية لأهالي كاشغر، وبعد عودته إلى بلده، عمل في جامعة لوند، وكرس نفسه لدراسة اللغات الأتراكية، ليصبح واحدا من الجيل الأول من خبراء اللغات الأتراكية.

امتد تأثير هؤلاء المبشرين ذوي الهويات المتعددة في المنطقة إلى المجالات الأخرى. وبالمقارنة مع "كلام الله"، كان السكان المحليون يفضلون الأخلاق، والثقافات، والعلوم في مجالات الموسيقى والفن المعماري والطب، وآلات الطباعة التي جلبها السويديون. كما قدم هؤلاء المبشرون السويديون اسهامات في الهندسة المعمارية الحديثة والتقنيات الطبية ومعدات الطباعة. وبهذا المعنى، فان جهودهم وأعمالهم في شينجيانغ لمدة 46 عاما لم تذهب سدى.

المراجع الرئيسية:

ماكارتني، كاترين وشيبتون، ديانا (المؤلفون)؛ وانغ وي بينغ، وتسوى يان هو (المترجمان): ذكريات زوجات الدبلوماسيين، دار شينجيانغ الشعبية للنشر، عام 2010 م.

يارينغ غونار (المؤلف)؛ تسوي يان هو، وقوه يي جيه (المترجمان): العودة إلى كاشغر، دار شينجيانغ الشعبية للنشر، عام 2010 م.

تشو شيوان، تسوى يان هو: دراسة البعثة التبشيرية السويدية في كاشغر، دراسة المناطق الغربية، العدد 4، عام 1998 م.

هينياتي مولاتي: تحليل المطبعة التبشيرية السويدية في كاشغر ومنشوراتها، مجلة جامعة بيفانغ للقوميات، العدد الثالث من عام 2013.

خه رونغ: الأنشطة الخيرية للمبشرين الغربيين المعاصرين في شينجيانغ، العلوم الاجتماعية لشينجيانغ، العدد 6، عام 2009م.

 
المصدر:موقع شينجيانغ في الصين