التقارير الخاصة

نوادر طريق الحرير- قصص شينجيانغ في الخرائط القديمة - 3

المصير الكئيب ل((خريطة هامي)) المستودعة في الخزانة الكبرى للأمانة العامة لأسرة تشينغ

22.01.2019 المؤلف : وانغ يو

كانت الصين في العصر الحديث تراجعت حالتها نتيجة للفصائل الداخلية وتتابع الغزوات من قبل القوى الغربية. عاش المواطنون في المجاعة والبؤس في جميع أنحاء البلاد، في حين أن عددا من الوثائق الثمينة ضاعت. خلال هذا الوقت من التغيير العالمي الهائل، كانت الأعمال الكلاسيكية والكنوز إما نقلت عبر المحيطات والبحار، وإما تنقلت من شخص إلى آخر، وإما تدمرت في نيران الحرب، لقد عانت من شدّة الحرب مثلما عانى منها الجماهير. ((خريطة هامي)) التي سنعرفكم بها في هذه المقالة هي أقدم خريطة مستودعة في بلاط تشينغ، أما الآن فتم تخزينها في قسم الوثائق النادرة في "متحف القصر الوطني في تايبيه"

. في الوقت الحالي، لم تُعرض ((خريطة هامي)) أمام الجمهور، لذا من المستحيل أن نعرف ما تبدو عليه هذه القطعة الفنية الثمينة التي كانت مستودعة في بلاط تشينغ. ومع ذلك، من خلال النظر إلى مصادر تاريخية معينة، يمكننا التأكد من المعلومات الأساسية حولها، على سبيل المثال، هي على شكل لفيفة ورقية مع رسوم ملونة، تم الرسم عليها خطوط العرض والطول مع عدد من التسميات التوضيحية بحروف القومية مان وحروف القومية خان. إنها كبيرة جدا، حيث يبلغ عرضها 1.505 متر وطولها 3.855 متر. بناءً على هذه التفاصيل، يمكننا أن نفترض أن الخريطة هي عمل بديع نادر مثير للإعجاب.

في أول الأمر، كانت ((خريطة هامي)) مخزونة في الخزانة الكبرى للأمانة العامة لأسرة تشينغ، وهو أرشيف إمبراطوري حيث تم الاحتفاظ بأهم الوثائق والكتب خلال عهد أسرة تشينغ. إن الأرشيف فيها متنوع للغاية: فهو لا يشمل فقط الملفات القديمة لأسرة مينغ خلال فترات تيان تشى (1621م-1627م) وتشونغ تشن (1628م-1644م)، بل أيضا السجلات القديمة لشنيانغ قبل أن تسيطر عليها قومية مان وعدد من الوثائق والصور وأوراق الفحص التي يرجع تاريخها إلى بدء حكم قومية مان. يتم تصنيف هذه الوثائق حسب أنواعها، مثل: هونغبن أو تيبن (التقارير إلى الإمبراطور)، شيشو (السجلات التاريخية)، شيلو (الحقائق المسجلاتة)، شنغشيون (حديث الإمبراطور)، تشيجوتشو (مذكرات القصر الداخلي)، تشيشو (المراسيم الإمبراطورية للتوظيف والوعظ)، تشاوشو (الإعلان الإمبراطوري) و بيوتشنغ (المخطوطات)، فضلا عن أنواع أخرى من الوثائق والخرائط وعدد من ملفات أسرة مينغ والوثائق القديمة المكتوبة بلغة المانتشو.

يقع مبنى الأمانة العامة لأسرة تشينغ في زاوية الجنوب الشرقية داخل بوابة وومون للمدينة المحرمة، في شرقي الأمانة العامة خزانتان كبيرتان: إحداهما للكتب والمقالات، والأخرى للوثائق هونغبن (حرفيا "الكتب الحمراء") الذي كان اسم لتقارير إدارية (تيبن) سلمها الوزراء إلى الإمبراطور، وبعد قراءة الإمبراطور نسخ وزير الأمانة العامة آراء الإمبراطور عليها باستخدام فرشاة مغموسة في الحبر الأحمر.

في السنة الثانية من حكم الإمبراطور شيوان تونغ (1910م)، اقترح تشانغ تشي دونغ والوزراء الآخرون تأسيس المكتبة الإمبراطورية في بكين (التي عرفت فيما بعد باسم مكتبة بيبينغ الوطنية، وأخيرا كالمكتبة الوطنية في الصين) كوسيلة لتشجيع ودعاية النظام الجديد. كانت المكتبة في الأصل تقع في مساكن الرهبان معبد قوانغهوا في بحيرة هوهاي في وسط بكين. كان تشرف عليها شيو بو (وزارة التربية والتعليم)، وبالتالي كان يعرف أيضا باسم مكتبة شيو بو. في عام 1915م، انتقلت المكتبة إلى المساكن القديمة للكلية الإمبراطورية في زقاق فانغجيا (أيضا في وسط بكين)، حيث بقيت حتى عام 1928. خلال فترة الاستعداد الأولي للتأسيس، تقرر أن المكتبة يجب أن تخزن في المقام الأول النسخ والمقتطفات الكاملة من النصوص الكلاسيكية التي تم الاحتفاظ بها سابقا في كلية هانلين والكلية الإمبراطورية والخزانة الكبرى للأمانة العامة. تجدر الإشارة بشكل خاص إلى أنه تم اختيار أكثر من مائة خريطة قديمة لأسرتي مينغ وتشينغ من خزانة هونغبن التابعة للأمانة العامة لنقلها إلى المكتبة الإمراطورية. ومنذ ذلك الحين تم تحديد مجموعة خاصة من الأرقام التسلسلية لهذه الخرائط اعترافًا بتفردها وندرتها.

في مايو عام 1928م، تحولت تسمية المكتبة الإمبراطورية في بكين إلى مكتبة بيبينغ الوطنية. في عام 1932م، قام قسم الخرائط في المكتبة بتأليف ما نقل عن خزانة الأمانة العامة لأسرة تشينغ من الخرائط القديمة لأسرتي منيغ وتشينغ إلى (( قائمة مكتبة بيبينغ للخرائط من خزانة الأمانة الإمبراطورية))، حيث تم تسجيل فيها 295 خريطة تنتمي إلى 184 فئة. وهناك خريطة واحدة منها وهي ((خريطة هامي)). في عام 1935م وجدت الصين نفسها في خطر شديد بعد غزو الجيش الياباني لنانجينغ، كُلفت مكتبة بيبينغ باختيار الكتب الثمينة ونسخ من الكتب البوذية من دونهوانغ والخرائط القديمة من أسرتي مينغ وتشينغ والمحكوكات من النقوش البرونزية والحجرية وكذلك الأعمال الكلاسيكية ونقلها إلى منطقة الامتياز في شانغهاي وإلى نانجينغ.

في عام 1949م، تم نقل هذه القطع الأثرية مرة أخرى - هذه المرة - إلى تايوان. وقد توضحت تفاصيل أسباب نقل المخزونات من مكتبة بيبينغ إلى تايوان في إحدى منشورات المكتبة الوطنية: "في الليلة التي سبقت اندلاع حرب المقاومة ضد اليابان، أرسلت المكتبة الخرائط من الخزانة الكبرى للأمانة العامة لأسرة تشينغ وكذلك الخرائط النادرة الأخرى التي لقد قامت بشرائها هذه السنين إلى نانجينغ، وفي وقت لاحق، عندما فر حزب كومينتانغ إلى تايوان، أخذ معه ثمانية صناديق تضم أكثر من 300 خريطة، ويتم تخزينها حاليًا في المكتبة المركزية الوطنية في مدينة تايبيه.

" تأسست "المكتبة الوطنية المركزية" في مدينة نانجينغ عام 1933م من قبل الحكومة المركزية. انتقلت إلى مدينة تايبيه في عام 1949م في أعقاب انتصار الجيش الشيوعي في الحرب الأهلية، وتحول اسمها إلى "المكتبة الوطنية". في كتالوج المكتبة في عام 1985م، تم تسجيل خريطة هامى على أنها قادمة من "بيبينغ" - أي مكتبة بيبينغ الوطنية. بعبارة أخرى، كانت خريطة هامي موجودة في مجموعة هذه المكتبة منذ وصولها إلى تايوان. في عام 1985م، قررت وزارة التربية والتعليم في تايوان نقل خريطة هامي وكذلك الأعمال النادرة التي تم الاحتفاظ بها في الأصل في مكتبة بيبينغ الوطنية من "المكتبة المركزية الوطنية" إلى "متحف القصر الوطني".

إن الوثائق الموجودة في خزانة هونغبوين الخاص بالأمانة العامة لأسرة تشينغ هي تقارير كتبها مسؤولون حكوميون من مختلف الرتب، والتي نسخ وزير الأمانة العامة تعليقات الإمبراطور عليها بالحبر الأحمر بعد قراءة الإمبراطور لها. بما أن خريطة هامي كانت محفوظة في هذه الخزانة، يمكننا أن نفترض بشكل معقول أنه قد تم إنشاؤه في الأصل كجزء من تقرير مسؤول تشينغ إلى الإمبراطور فيما يتعلق بالشؤون الوزارية. تم إخراج هذه الخريطة من الخزانة لتأسيس المكتبة الإمبراطورية في نهاية عهد أسرة تشينغ. وخلال حرب المقاومة ضد اليابان، تم نقلها مع وثائق ثمينة أخرى من مكتبة بيبينغ الوطنية إلى نانجينغ. وفي وقت لاحق، تم نقلهم إلى تايبيه حيث خزنت في "المكتبة المركزية الوطنية" في البداية، ثم نقلت إلى "متحف القصر الوطني" والآن خزنت في قسم الكتب والوثائق به.

على مر السنين، استكملت خريطة هامي التي ألقى عليها الإمبراطور نظرته رحلة هائلة من القصر الإمبراطوري إلى المؤسسات في بكين وإلى نانجينغ وأخيرا عبر البحار إلى تايوان، حيث بقيت في متحف القصر الوطني. إن خرائط شينجيانغ من أسرة تشينغ التي بقيت حتى اليوم نادرة بالفعل، ناهيك عن خريطة ملونة رسمية بهذا الحجم. إذا أقدر على رؤية هذه الخريطة بأم العين والبحث فيها، فسيكون الأمر بالنسبة لي بمثابة امتياز وحظ هائل.

المراجع الرئيسية:

وانغ ياو: التحقيق في رحلة ((خريطة هامي)) الموجودة حاليا في متحف القصر الوطني في تايبيه، علم حدود الصين (المجلد 3)، دار النشر للوثائق الأكاديمية والعلوم الاجتماعية، عام 2015م.

 
المصدر:موقع شينجيانغ في الصين